القاضي النعمان المغربي
210
تأويل الدعائم
فيه بعد هذا إن شاء اللّه ؛ ويتلو ذلك من كتاب الدعائم « ذكر الطواف بالبيت » ، وقد ذكرنا فيما تقدم جملة القول في تأويل البيت الحرام وأن مثله مثل الإمام في وقته ، وأن مثل الحجر الّذي في ركنه الّذي يستلم مثل حجته وهو وصيه الّذي تصير إليه الإمامة من بعده ، وذكرنا أنا سنذكر بيان ذلك إذا صرنا إلى موضع ذكره ، فالآن نذكر من ذلك ما ينبغي ذكره في هذا الحد ، فمن ذلك أن البيت الحرام قبلة المصلين من جميع الجهات ، وقد ذكرنا أن مثل الصلاة في الباطن مثل دعوة الحق ، فكذلك كل من استجاب إليها يتوجه إلى إمام الزمان ، ومثل ستر البيت بالأستار مثل إظهار الإمام ظاهر الشريعة وكتمانه باطنها ، وقد ذكرنا أن مثل الثياب التي تلبس مثل ظاهر الدين ، ورفع الستور عن الحجر الأسود وإظهاره مثل لكشف باطن الشريعة في دعوة الباطن التي هي كما ذكرنا للوصي الّذي هو حجة الإمام ، وجاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أن أول بدء خلق البيت كان كما قال اللّه عز وجل للملائكة : « إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ( يعنى آدم ) قالُوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ؟ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ » « 1 » فعلموا أنهم قد وقعوا في الخطيئة فطافوا بالعرش أسبوعا يسترضون ربهم فرضى عنهم ، وقال اهبطوا إلى الأرض فابنوا لي فيها بيتا يطوف به من عصاني فأرضى عنهم كما رضيت عنكم ، فبنوا البيت وطاف به آدم وولده ، فلما كان زمن الطوفان وأراد اللّه عز وجل هلاك أهل الأرض رفعه إلى السماء ، وكان كما ذكرنا مثلا لآدم ولمن بعده من الأئمة والرسل من بعده إلى أن بعث اللّه عز وجل إبراهيم صلوات اللّه عليه فأمره أن يبنيه على أساسه الأول فبناه هو ووصيه إسماعيل كما أخبر اللّه عز وجل في كتابه بقوله : « وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ » « 2 » الآية ، وكان ذلك مثل شريعته كما كذلك لكل شريعة ناطق مثل ، فتسمعون ذلك في موضعه إن شاء اللّه فكان البيت في ذاته كما ذكرنا مثلا له ولكل إمام من بعده وناطق يتلوه ، وكانت الإمامة ، والنبوة من بعده لإسماعيل كما ذكرنا أن الإمامة والنبوة كانت نبوة إلى أن ختم اللّه عز وجل النبوة بمحمد رسوله صلى اللّه عليه وآله ؛ ثم صارت من بعد إسماعيل إلى أخيه إسحاق وبقيت في ولد إسحاق إلى أن قام من ذريته
--> ( 1 ) سورة البقرة 30 . ( 2 ) سورة البقرة 127 .